علي محمد علي دخيل

500

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

يمتد مثل العمود يسمى شهابا وإنما قال لامرأته آتيكم على لفظ خطاب الجمع لأنه أقامه مقام الجماعة في الأنس بها والسكون إليها في الأمكنة الموحشة لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ أي لكي تستدفئوا بها ، وذلك لأنهم كانوا قد أصابهم البرد وكانوا شاتين عن الحسن وقتادة فَلَمَّا جاءَها أي جاء موسى إلى النار ، يعني التي ظنّ أنها نار وهي نور نُودِيَ لما رأى موسى عليه السلام النار وقف قريبا منها فرآها تخرج من فرع شجرة خضراء شديدة الخضرة ، لا تزداد النار إلا اشتعالا ، ولا تزداد الشجرة إلا خضرة وحسنا ، فلم تكن النار بحرارتها تحرق الشجرة ، ولا الشجرة برطوبتها تطفئ النار ، فعجب منها وأهوى إليها بضغث في يده ليقتبس منها فمالت إليه فخافها فتأخر عنها ، ثم لم تزل تطمعه ويطمع فيها إلى أن نودي ؛ والمراد به نداء الوحي أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها أي بورك فيمن في النار : وهم الملائكة ، وفيمن حولها : يعني موسى ، وذلك أن النور الذي رأى موسى كان فيه ملائكة لهم زجل بالتقديس والتسبيح ، ومن حولها هو موسى لأنه كان بالقرب منها ولم يكن فيها ، فكأنه قال : بارك اللّه على من في النار وعليك يا موسى . وهذا تحية من اللّه سبحانه وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ أي تنزيها له عما لا يليق بصفاته تعالى عن أن يكون جسما يحتاج إلى جهة ، أو عرضا يحتاج إلى محل ، أو يكون ممن يتكلم بآلة ، ثم أخبر سبحانه موسى عن نفسه ، وتعرف إليه بصفاته فقال يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ أي ان الذي يكلّمك هو اللّه العزيز ، أي القادر الذي لا يغالب ولا يمتنع عليه شيء الحكيم في أفعاله ، المحكم لتدابيره ، ثم أراه سبحانه آية يعلم بها صحة النداء فقال : وَأَلْقِ عَصاكَ فألقاها فصارت حيّة فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ أي تتحرّك كما يتحرّك الجان ، وهو الحية التي ليست بعظيمة ، وإنما شبّهها بالجان في خفة حركتها واهتزازها وَلَّى مُدْبِراً أي رجع إلى ورائه وَلَمْ يُعَقِّبْ أي لم يرجع ، فقال اللّه سبحانه يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ وهذا تسكين من اللّه سبحانه لموسى ، ونهي له عن الخوف يقول له : إنك مرسل ، والمرسل لا يخاف لأنه لا يفعل قبيحا ، ولا يخلّ بواجب فيخاف عقابي على ذلك . 11 - 14 - ثم قال سبحانه إِلَّا مَنْ ظَلَمَ المعنى : لكن من ظلم نفسه بفعل القبيح من غير المرسلين ، لأن الأنبياء لا يقع منهم ظلم لكونهم معصومين من الذنوب والقبائح ، فيكون هذا استثناء منقطعا ، وإنما حسن ذلك لاجتماع الأنبياء وغيرهم في معنى شملهم وهو التكليف ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ أي بدّل توبة وندما على ما فعله من القبيح ، وعزما أن لا يعود إليه في المستقبل فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ أي ساتر لذنبه ، قابل لتوبته وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ أعطاه آية أخرى وقد سبق بيانها فِي تِسْعِ آياتٍ أي مع تسع آيات أخر أنت مرسل بها إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ تقديره : مرسلا بها إلى فرعون ، ومبعوثا إليه . والآيات التسع مفسرة في سورة بني إسرائيل إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ أي خارجين عن طاعة اللّه إلى أقبح وجوه الكفر فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا أي حججنا ومعجزاتنا مُبْصِرَةً أي واضحة بيّنة خارجة عن قدرة البشر ، وهو مثل قوله : وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً وقد مرّ بيانه قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ أي ظاهر بيّن وَجَحَدُوا بِها وأنكروها ولم يقرّوا بأنها من عند اللّه تعالى وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ أي عرفوها وعلموها يقينا بقلوبهم ، وإنما جحدوها بألسنتهم ظُلْماً على أنفسهم وَعُلُوًّا أي طلبا للعلو والرفعة ، وتكبّرا عن أن يؤمنوا بما جاء به موسى عليه السلام فَانْظُرْ يا محمد أو أيها السامع كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ في الأرض بالمعاصي .